فصل: من لطائف وفوائد المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
{إِنَّهُمْ سَاءَ} أي: بئس {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}.
قال أبُو حيَّان: يجوزُ أن تكون على بابها من التَّصرُّف والتعدِّي، ومفعولها محذوفٌ، أي: ساءهم الذي كانُوا يعملُونه، أو عملُهم، وأن تكون الجارية مَجْرى بِئْسَ فتُحَوَّل إلى فَعُل بالضمِّ، ويمتنع تصرُّفها، وتصيرُ للذَّم، ويكون المخصوص بالذم محذوفًا، كما تقرَّر مرارًا. اهـ. باختصار.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9)}
مَنْ رَضِيَ مِنَ الله بغير الله أرخص في صفقته ثم إنه خسر في تجارته؛ فَلاَ لَهُ- وهو عن الله- أثر استمتاع، ولا له- في دونه سبحانه- اقتناع؛ بَقِيَ عن الله، ولم يستمتع عن الله. وهذا هو الخسران المبين. اهـ.

.تفسير الآية رقم (10):

قوله تعالى: {لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما أخبر تعالى بعراقتهم في الفسق، دل عليه بأن خيانتهم ليست خاصة بالمخاطبين، بل عامة لكل من اتصف بصفتهم من الإيمان، فمدار خيانتهم على الوصف، فقال: {لا يرقبون في مؤمن إِلًا} أي قرابة وأصلًا جيدًا ثابتًا {ولا ذمة} أي عهدًا أكيدًا {وأولئك} أي البعداء من كل خير {هم} أي خاصة لتناهي عدوانهم {المعتدون} أي عادتهم المبالغة في حمل أنفسهم على أن يعدوا الحدود لعدم ما يردهم عن ذلك من وازع إلهي ورادع شرعي كما فعل عامر بن الطفيل بأهل بئر معونة مع أنهم في جوار عمه وكان من خبرهم أن عمه أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لو بعثت رجالًا من أصحابك إلى أهل نجد رجوت أن يستجيبوا لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أخشى عليهم أهل نجد، قال أبو براء: أنا لهم جار.
فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم: المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في سبعين رجلًا من أصحابه من خيار المسلمين، فما نزلوا بئر معونه بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عامر بن الطفيل فلم ينظر في كتابه وعدا عليه فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا وقالوا: لن نخفر أبا براء، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصية ورعلًا وذكوان فقتلوهم فلم يفلت منهم إلا ثلاثة نفر عمرو بن أمية الضمري أحدهم، فعظم ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ودعا على قتلتهم شهرًا؛ قال البغوي: وقال ابن عباس- رضى الله عنهما-: إن أهل الطائف أمدوهم- يعني قريشًا- بالأموال ليقووهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا الذي أحكمه تعالى من نبذ العهد نظر للدين، لأنه نظر لجميع أهله الذين لا يوجد إلا بهم. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

ثم قال: {وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون} [التوبة: 10] يعني يعتدون ما حده الله في دينه وما يوجبه العقد والعهد، وفي ذلك نهاية الذم، والله أعلم. اهـ.

.قال السمرقندي:

قوله تعالى: {لاَ يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً}، يعني: لا يحفظون في المؤمنين قرابة ولا عهدًا.
{وَأُوْلَئِكَ هُمُ المعتدون} بنقض العهد وترك أمر الله تعالى. اهـ.

.قال الثعلبي:

{لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً}
يقول: لا تبقوا عليهم أيّها المؤمنون كما لا يبقون عليكم لو ظهروا عليكم.
{وأولئك هُمُ المعتدون} بنقض العهد. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {لا يرقبون} الآية، وصف لهذه الطائفة المشترية يضعف ما ذهب إليه من قال إن قوله: {اشتروا بآيات الله} هو في اليهود، وقوله تعالى: {في مؤمن} إعلام بأن عداوتهم إنما هي بحسب الإيمان فقط، وقوله أولًا {فيكم} كان يحتمل أن يظن ظان أن ذلك للإحن التي وقعت فزال هذا الاحتمال بقوله: {في مؤمن}، ثم وصفهم تعالى بالاعتداء والبداءة بالنقض للعهود والتعمق في الباطل. اهـ.

.قال القرطبي:

{لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}
قال النحاس: ليس هذا تكريرًا، ولكن الأوّل لجميع المشركين والثاني لليهود خاصّة.
والدليل على هذا {اشتروا بِآيَاتِ الله ثَمَنًا قَلِيلًا} يعني اليهود؛ باعُوا حجج الله عز وجل وبيانه بطلب الرياسة وطمَعٍ في شيء.
{وأولئك هُمُ المعتدون} أي المجاوزون الحلال إلى الحرام بنقض العهد. اهـ.

.قال الخازن:

{لا يرقبون في مؤمن إلًا ولا ذمة} يعني أن هؤلاء المشركين لا يراعون في مؤمن عهدًا ولا ذمة إذا قدروا عليه قتلوه فلا تبقوا أنتم عليهم كما لم يبقوا عليكم إذا ظهروا عليكم {وأولئك هم المعتدون} يعني في نقض العهد. اهـ.

.قال أبو حيان:

{لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون}
هذا تنبيه على الوصف الموجب للعداوة وهو الإيمان، ولما كان قوله: {لا يرقبوا فيكم} يتوهم أنّ ذلك مخصوص بالمخاطبين، نبّه على علة ذلك، وأنّ سبب المنافاة هو الإيمان، وأولئك أي الجامعون لتلك الأوصاف الذميمة هم المعتدون المجاوزون الحد في الظلم والشر ونقض العهد. اهـ.

.قال أبو السعود:

قوله عز وعلا: {لاَ يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً}
ناعٍ عليهم عدمَ مراعاةِ حقوقِ عهدِ المؤمنين على الإطلاق فلا تكرارَ، وقيل: هذا في اليهود أو في الأعراب المذكورين ومَنْ يحذو حذوهم، وأما ما قيل من أنه تفسير لقوله تعالى: {يَعْمَلُونَ} أو دليلٌ على ما هو مخصوصٌ بالذم فمُشعِرٌ باختصاص الذمِّ والسوء بعملهم هذا دون غيره {وَأُوْلئِكَ} الموصوفون بما عُدّد من الصفات السيئةِ {هُمُ المعتدون} المجاوزون الغايةَ القُصوى من الظلم والشرارة. اهـ.

.قال الألوسي:

{لاَ يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً}
نعى عليهم عدم مراعاة حقوق عهد المؤمنين على الاطلاق بخلاف الأول لمكان {فيكُمْ} [التوبة: 8] فيه.
و{في مُؤْمِنٍ} في هذا فلا تكرار كما في المدارك، وقيل: إنه تفسير لما {يعملون} [التوبة: 9]، وهو مشعر باختصاص الذم والسوء لعملهم هذا دون غيره، وقيل: إن الأول عام في الناقضين وهذا خاص بالذين اشتروا وهم اليهود والاعراب الذين جمعهم أبو سفيان وأطعمهم للاستعانة بهم على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه فالمراد بالآيات ما يشمل القرآن والتوراة، وفي هذا القول تفكيك للضمائر وارتكاب خلاف الظاهر.
والجبائي يخص هذا باليهود وفيه ما فيه {وَأُوْلئِكَ} أي الموصوفون بما عدد من الصفات السيئة {هُمُ المعتدون} المجاوزون الغاية القصوى من الظلم والشرارة. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{لاَ يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً}.
يجوز أن تكون هذه الجملة بدلَ اشتمال من جملة: {إنهم ساء ما كانوا يعملون} [التوبة: 9] لأنّ انتفاء مراعاة الإلّ والذمّة مع المؤمنين ممّا يشتمل عليه سوء عملهم، ويجوز أن تكون استئنافًا ابتُدئ به للاهتمام بمضمون الجملة.
وقد أفادت معنى أعمّ وأوسع ممّا أفاده قوله: {وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلًّا ولا ذمة} [التوبة: 8] لأنّ إطلاق الحكم عن التقييد بشرط {إن يظهروا عليكم} [التوبة: 8] يَفيد أنّ عدم مراعاتهم حقّ الحلف والعهد خُلُق متأصّل فيهم، سواء كانوا أقويّاء أم مستضعفين، وإنّ ذلك لسوء طويتهم للمؤمنين لأجل إيمانهم.
والإلّ والذمّة تقدّما قريبًا.
عطف على جملة: {لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمة} لمناسبة أنّ إثبات الاعتداء العظيم لهم، نشأ عن الحقد، الشيء الذي أضمروه للمؤمنين، لا لشيء إلاّ لأنّهم مؤمنون كقوله تعالى: {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} [البروج: 8].
والقَصر إمّا أن يكون للمبالغة في اعتدائهم، لأنّه اعتداء عظيم باطني على قوم حالفوهم وعاهدوهم، ولم يُلحقوا بهم ضرّ مع تمكّنهم منه، وإمّا أن يكون قصر قلب، أي: هم المعتدون لا أنتمْ لأنّهم بَدَأوكم بنقض العهد في قضية خزاعة وبني الدِّيل من بكر بن وائِل ممّا كان سببًا في غزوة الفتح. اهـ.

.قال الشعراوي:

{لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}
ومن لا يرقب إلاّ ولا ذمة في غيره إنما يظلمه، فإذا كان بيني وبينك قرابة، أو عهد، أو إيمان، فإن لم تراع ذلك تكون قد اعتديت على حقوقي عندك، وليتك قد اقتصرت في الاعتداء على حقوق الغير، لكنك- أيضا- اعتديت على نفسك، لأنك أعطيتها متاعًا قليلًا في الدنيا، وتصلى في الآخرة نارًا، إذن فقد ظلمت نفسك. ولذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ} [آل عمران: 135].
ويقول سبحانه وتعالى: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [النحل: 118].
وأليس الذي فعل فاحشة، يظلم نفسه؟ بلى، ظلمها في الآخرة بعد أن أعطاها شهوة في الدنيا، أي أنه أخذ متعة عاجلة بعذاب آجل. لكن الذي يظلم نفسه ظلما شديدا وبيِّنًا هو الذي يرتكب إثما دون أن يأخذ متعة في الدنيا، فلا هو أخذ متعة دنيا ولا أخذ متعة آخرة، مثل الذي يتطوع لشهادة الزور، هو يأخذ عذابًا في الآخرة ولم يأخذ متعة في الدنيا.
وقد يقول قائل: إن هذه الآية مكررة لأن الله تعالى قال من قبل: {كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلًا وَلاَ ذِمَّةً} [التوبة: 8].
ونقول: إن الموضوع يختلف، ففي الآية الثامنة من سورة التوبة يبين الحق أنهم إن تمكنوا من المؤمنين فلن يراعوا قرابة ولا جوارًا ولا حلفًا، وإن أظهروا عكس ذلك. أما في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فهم يظلمون أنفسهم ويبيعون إيمانهم بثمن قليل، وهناك فرق بين ظلم الغير وظلم النفس.
وهم في صدهم عن سبيل الله تعالى وعدوانهم على المؤمنين، لم يحصلوا على فائدة دنيوية، بل حاربوا الإيمان وحاربوا الدين فأخذوا الإثم ولم يستفيدوا شيئا، فكأنهم لا يرقبون إلاّ ولا ذمة حتى مع أنفسهم. ولذلك وصفهم الحق سبحانه وتعالى بأنهم هم المعتدون، لأنهم دون أن يُعتدى عليهم تطوعوا بالعدوان على دين الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين ثم قاموا بالعدوان على أنفسهم. ومن بعد ذلك تأتي رحمة الله لترينا كيف أن الله تعالى رحيم بعباده وخلقه، فالحق سبحانه وتعالى يخبرنا بأنهم مهما فعلوا فإنهم إن تابوا يقبل الله توبتهم. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

من لطائف القشيري في الآية:
قال عليه الرحمة:
{لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)}
كيف يراعي حقَّ المؤمنين مَنْ لا يراعي حقَّ الله في الله؟ أخلاقُهم تَشَابهت في تَرْكِ الحُرْمة. اهـ.